عبد الله بن أحمد النسفي
48
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 5 ] وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) الجنس الذي هو العمود والقوام وأشدّ ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً تمييز ، أي فشا في رأسي الشيب ، واشتعال « 1 » النار إذا تفرقت في التهابها وصارت شعلا فشبّه الشيب بشواظ النار في بياضه وانتشاره في الشعر وأخذه منه كلّ مأخذ باشتعال النار ، ولا ترى كلاما أفصح من هذا ، ألا ترى أنّ أصل الكلام يا ربّ قد شخت إذ الشيخوخة تشتمل على ضعف البدن وشيب الرأس المتعرض « 2 » لهما ، وأقوى منه ضعف بدني وشاب رأسي ففيه مزيد التقرير للتفصيل ، وأقوى منه وهنت عظام بدني ففيه عدول عن التصريح إلى الكناية فهي أبلغ منه ، وأقوى منه أنا وهنت عظام بدني ، وأقوى منه إني وهنت عظام بدني ، وأقوى منه إني وهنت العظام من بدني ففيه سلوك طريقي الإجمال والتفصيل ، وأقوى منه إني وهنت العظام مني ففيه ترك توسيط البدن ، وأقوى منه إني وهن العظم مني لشمول الوهن العظام فردا فردا باعتبار ترك جمع العظم إلى الإفراد لصحة حصول وهن المجموع بالبعض دون كلّ فرد فرد ، ولهذا تركت الحقيقة في شاب رأسي إلى أبلغ وهي الاستعارة ، فحصل اشتعل شيب رأسي ، وأبلغ منه اشتعل رأسي شيبا لإسناد الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته ، وهو الرأس لإفادة شمول الاشتعال الرأس إذ وزان اشتعل شيب رأسي واشتعل رأسي شيبا وزان اشتعل النار في بيتي واشتعل بيتي نارا ، والفرق نيّر ولأنّ فيه الإجمال والتفصيل كما عرف في طريق التمييز ، وأبلغ منه واشتعل الرأس مني شيبا لما مر ، وأبلغ منه واشتعل الرأس شيبا ففيه اكتفاء بعلم المخاطب إنه رأس زكريا لقرينة « 3 » العطف على وهن العظم مني « 4 » وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ مصدر مضاف إلى المفعول أي بدعائي إياك رَبِّ شَقِيًّا أي كنت مستجاب الدعوة قبل اليوم سعيدا به غير شقي فيه ، يقال سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها وشقي إذا خاب ولم ينلها ، وعن بعضهم أنّ محتاجا سأله وقال : أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا ، فقال مرحبا بمن توسّل بنا إلينا « 5 » وقضى حاجته . 5 - وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ هم عصبته إخوته وبنو عمه ، وكانوا شرار بني إسرائيل فخافهم أن يغيروا الدين وأن لا يحسنوا الخلافة على أمته ، فطلب عقبا صالحا
--> ( 1 ) في ( ظ ) واشتعل ، وفي ( ز ) واشتعلت . ( 2 ) في ( ظ ) المعترض . ( 3 ) في ( ظ ) و ( ز ) بقرينة . ( 4 ) ليست في ( ز ) . ( 5 ) زاد في ( ظ ) و ( ز ) وقت حاجته .